الدواء كظاهرة اجتماعية : مقاربة مستخلصة من أعمال د. فارس لاباري
يُظهر تحليل أعمال الباحث الدكتور فارس لاباري حول الدواء والالتزام العلاجي أن الدواء، رغم كونه مادة صيدلانية تضبطها معايير علمية، يتحول إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية تتحدد داخل شبكة من العلاقات والمعاني.
فالمريض لا يستعمل الدواء كما يصفه الطبيب فقط، بل أيضا كما يفهمه ويفسّره ويتمثله وفق خبراته وثقافته ومحيطه الاجتماعي. وهكذا يصبح الدواء جزءاً من ما يسميه كلاينمان “نماذج تفسير المرض”، حيث يبني المريض نموذجاً ذهنياً خاصاً يحدد معنى المرض ومعنى العلاج، وغالباً ما يختلف عن النموذج البيوطبي العلمي. هذا الاختلاف يُنتج تفاوتاً في الالتزام العلاجي، رغم توفر الأدوية ووضوح البروتوكولات.
وتبرز الإشكالية المركزية في سؤال:
كيف تتحول الأدوية من أدوات بيولوجية إلى ممارسة اجتماعية تؤثر في فعالية العلاج داخل المجتمع المغربي؟
يقدّم الباحث فارس لاباري جواباً واضحاً: الدواء يشتغل داخل سياق اجتماعي، وليس فقط داخل الجسم. فتمثلات المرضى—مثل الاعتقاد بأن “الضغط غير مؤلم وبالتالي ليس خطيراً”، أو أن “الدواء يفسد الكبد ويسبب الإدمان ”، أو أن “الحقنة أفضل من الحبوب”—تقودهم إلى تعديل الجرعات، الجمع بين الطب التقليدي والحديث، أو توقيف العلاج. وتكشف مقابلاته الميدانية أن الالتزام العلاجي ليس قراراً بيولوجياً، بل قرار اجتماعي يتأثر بالأسرة، والجندر، والوضع الاقتصادي، والمسافة إلى المؤسسات الصحية، وبناء الثقة مع المهنيين.
وتسهم العلاقة العلاجية بدور حاسم في تشكيل معنى الدواء. فوفق فوكو، العلاقة بين الطبيب والمريض علاقة “سلطة-معرفة”. وحين تُمارس السلطة دون تواصل أو احترام أو شرح واضح، يظل المريض خاملاً، ويصبح الدواء بلا معنى. أما حين يُشرك الطبيب والصيدلي المريض في الفهم واتخاذ القرار، يكتسب العلاج دلالة، ويرتفع الالتزام به. وهنا يتبيّن أن فعالية الدواء ليست قائمة في تركيبته، بل في التفاعل الذي يحيط باستعماله.
وفي مستوى أعمق، يمكن تحليل الدواء من منظور بورديو باعتباره جزءاً من “مجال اجتماعي” يشمل الدولة، الصيادلة، الأطباء، شركات الأدوية، والإعلام.... وفي هذا المجال، يُعاد إنتاج الفوارق الاجتماعية عبر رأس المال الاقتصادي (القدرة على شراء الدواء)، ورأس المال الثقافي الصحي (فهم المرض)، ورأس المال الاجتماعي (شبكات الدعم). وتظهر أبحاث فارس لاباري أن النساء في الوسط القروي، مثلاً، يعانين من ضعف الرأسمال الصحي والاجتماعي، ما يجعل الولوج للعلاج هشاً ومتقطعاً.
في النهاية، يتضح أن الدواء لا يعمل بوصفه مادة صيدلانية فقط، بل كـبنية اجتماعية تتقاطع فيها السلطة والمعنى والثقافة والموارد. وتدعو مقاربة الدكتور فارس لاباري إلى سياسات صحية تراعي السياق الاجتماعي للدواء، وتعزّز التواصل الصحي، وتدمج السوسيولوجيا والعلوم الإنسانية في تكوين المهنيين، بما يجعل العلاج ممارسة تشاركية أكثر فعالية فالدواء يتشكل ويفهم بالمعنى قبل أن يفهم بالجرعات.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.